محمد العربي الخطابي

33

الأغذية والأدوية عند مؤلفي الغرب الإسلامي

معلومات أولية عن الدواء والغذاء كان عدد من الفلاسفة وعلماء الطبيعة الأقدمين يرون أن عناصر الكون مترابطة يؤثر بعضها في بعض فينشأ عن ذلك نظام بديع محكم لا يد فيه للمصادفة بل تدبّره إرادة عليا بقدر معلوم ، وقد لخّص أبو عبد اللّه محمد ابن الخطيب السلماني الأندلسي هذا التصور في كتابه « الوصول إلى حفظ الصحة في الفصول » فقال : « خلق اللّه العالم منتظما مرتبطا ، وجعل بعضه سببا لبعضه أو كمالا له ، فكما أن الفصول انقسمت بحركات الأجرام العلوية وتعينت طبائعها من حارّ وبارد ورطب ويابس ، فكذلك عالم الكون والفساد المرتبط بالعالم العلويّ المتأثّر عن آثاره العلوية ، المعلولّ بعلله القصية ، اشتمل منه مقعّر فلك القمر على عناصر لكلّ مكوّن من معدن ونبات وحيوان : أربعة كأربعة الفصول ، ذوات طبائع أربع كطبائعها ، منها اثنان ثقيلان : الماء والأرض ، واثنان خفيفان : النار والهواء » « 1 » . وهذه العناصر الأربعة - التي هي النار والهواء والماء والأرض - سمّاها اليونانيون بالاستقصات الأربعة ، أي العناصر أو الأركان التي هي أصول هذا العالم ، وهي في تصورّهم جواهر جسمية تحمل كيفيات أربع هي : الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، فالنار حارة يابسة ، والهواء حارّ رطب ، والماء بارد رطب والأرض باردة يابسة . وليس معنى هذا أن الأقدمين كانوا يجهلون أن هذه الأركان أو الاستقصات التي ذكرناها تتجزأ هي أيضا إلى أجزاء وتتركب من عناصر أصغر ، بل إنهم كانوا يقرون بذلك ويعرفونه وإن لم يكن لديهم من الوسائل في ذلك الزمان ما يمكّنهم من إثبات وجود العناصر والجزيئات الدقيقة التي تتركب منها الأجسام . وتلك الاستقصات الأربعة وما يتبعها من الكيفيات المذكورة متى اجتمعت في جسم على التساوي في الكيفية والكمية قيل إنه معتدل ، ومتى خالف جسم تساويها قيل

--> ( 1 ) « الطب والأطباء في الأندلس الإسلامية » ، 2 : 200 .